ابراهيم السيف
392
المبتداء والخبر لعلماء في القرن الرابع عشر وبعض تلاميذهم
للشرّاح في قول خليل قولين ، ولو كنت أبحث في الكتاب والسّنّة لأتيت للأمة بالعجب » . وهذا دأب العلماء الربانيين ، وأشدّ ما يتضح ذلك من منهجهم في آخر عمرهم ، فهذا الإمام الربانيّ شيخ الإسلام ابن تيميّة - عليه رحمة اللّه - ينقل عنه تلميذه ابن عبد الهادي أنّه قال لمّا حبس في آخر عمره وكان قد قرأ القرآن في السّجن أكثر من ثمانين مرة : « قد فتح اللّه عليّ في هذه المرة من معاني القرآن ومن أصول العلم بأشياء كان كثير من العلماء يتمنونها ، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن أو نحو هذا » . ووجه الشبه بين قولي هذين الإمامين العظيمين ظاهر ، وهو الندم على عدم قضاء ذلك الوقت في كتاب اللّه ، مع أنّ ما قاما به في الذبّ عن كتاب اللّه والدّعوة إليه وبه لا يقوم بمثله إلا أقلّ القليل من أهل العلم والإيمان ، ولكنهما ( رحمهما اللّه ) بلغا الشبر الثّالث من العلم ، فقد قيل : « العلم ثلاثة أشبار ، من دخل في الشّبر الأول تكبّر ، ومن دخل في الشّبر الثاني تواضع ، ومن دخل في الشّبر الثالث علم أنّه ما يعلم » . ولا غرو والحالة هذه أن يعجب المتأخر منهما بالمتقدم ، فيقول : « ما رأيت أحدا أعمق فهما وأوسع اطلاعا من هذا الرجل » ؛ يعني : ابن تيميّة ، تشابهت قلوبهم فتعارفت فتآلفت ، واتحد مشربهم